جلال الدين الرومي

190

فيه ما فيه

والآن إذا سقط الماء على التراب بدلا من الريح فإن الأمر سيكون على عكس ما يراد منه ، ولا شك أنه عندما وجد التراب الماء فإن الخضرة والريحان والبنفسج وورد البساتين ستنمو ، وهذا طريق الفقر ، وهو الطريق الذي فيه تحقق كل الآمال وتحقق كذلك كل شئ تتمناه ، ولا شك أن هذا الطريق سيصل بك إلى هزيمة الجيوش والظفر على الأعداء والاستيلاء على البلاد وإخضاع الناس والتفوق على الأقران والفصاحة والبلاغة وكل ما يتعلق بذلك ، ولما أنك اخترت طريق الفقر فإن كل تلك الأشياء سوف تتحقق لك وكل من لم يسر في هذا الطريق فإنه يشكو خلافا للطرق الأخرى ، وكل من سار في هذا الطريق وسعى فإن شخصا واحدا من بين مئات الآلاف يحقق هدفه ، كما أن قلب ذلك الشخص سوف يستقر ويهدأ ؛ لأن كل طريق له أسبابه ، وهناك طريق لحصول ذلك المقصود ولا يتحقق ذلك المقصود إلا عن طريق الأسباب ، وذلك الطريق طويل وزاخر بالمخاطر والموانع ، وأن تلك الأسباب تتعدد فيما يتعلق بتحقيق المقصود . والآن عندما جئت إلى عالم الفقر وعشت فيه ، فإن الحق سبحانه يمنحك الملك والعالم الذي لم تتخيله ولم تكن تتمنى أكثر منه وتطلبه ثم خجلت من طلبك لمثل هذا الشئ الحقير ، والآن فإن الحق تعالى يقول لو كنت منزها عن ذلك ولم تطلبه وضقت به ، ولكن الآن يجول بخاطرك ثم تركت هذا الشئ من أجلنا فإن كرمنا لا نهاية له ولا شك أنني سوف أيسّر لك ذلك ، وشبيه بهذا أن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم قبل وصوله وشهرته كان يرى الفصاحة وبلاغة العرب ويتمنى ذلك لنفسه وقد تحققت له تلك الفصاحة والبلاغة ، ولكن عندما كشف له عالم الغيب وأصبح ثملا باللّه فإن كل الأشياء التي كان يطلبها ويتمناها قد نفر منها ، وقد قال